قواعد الترجمة القانونية وتقنياتها

قواعد الترجمة القانونية وتقنياتها

ينبغي على المترجم القانوني الالتزام بما ورد في التشريع لكي تكون ترجمته دقيقة وواضحة علماً ان المتخصصين في القانون يدركون هذه المسائل بدقة .

الترجمة القانونية هي قبل كل شيء ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين. وهذا يعني أن المصطلح القانوني محدود سلفًا بالنظام القانوني الذي ينتمي ذلك المصطلح القانوني إليه، وأنه لا يمكن فهمه وبالتالي ترجمته إلا من خلال ذلك النظام القانوني. من ثمة كان على مترجم النصوص القانونية أن يكون ملمًا بالنظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، وأن يترجم المصطلح القانوني للغة المنقول منها بما يقابله ويكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في اللغة المنقول إليها، أي أن يعتمد استراتيجية (التكافؤ الوظيفي) طالما كان اعتماد هذه الاستراتيجية ممكنًا. ولكن هذه الاستراتيجية ليست دائمًا ممكنة في عملية الترجمة، مما يفرض على المترجم اعتماد تقنيات واستراتيجيات أخرى سنعالجها تباعا في هذه المادة المنشورة.

قواعد الترجمة القانونية وتقنياتها

*  التكافؤ الوظيفي

قصد بالتكافؤ الوظيفي (functional equivalence) في علم الترجمة العام "العلاقة المتجانسة بين القيم التواصلية للنص الأصل والنص الهدف، وكذلك بين الكلمات والجمل والتعابير الاصطلاحية والأبنية النحويه  أما في علم الترجمة القانونية فيقصد بالتكافؤ الوظيفي أن يترجم المترجم مصطلحًا قانونيًا في لغة قانونية ما بما يكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في لغة قانونية أخرى

·        التكافؤ اللفظي أو المعجمي

إن تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي (formal/lexical equivalence) التقنية الثانية التي يلجأ إليها المترجم عند غياب التكافؤ الوظيفي لاختلاف النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها. ويقصد بالتكافؤ اللفظي أو المعجمي ترجمة المصطلح في اللغة (أ) بما يقابله معجميًا في اللغة (ب)، أي ترجمته ترجمة حرفية طالما كان ذلك ممكنًا. والترجمة الحرفية في هذا السياق أضمن وسيلة للتعبير عن معنى المصطلح الأصلي، ولكنها ليست دائمًا بلا تعقيدات إضافية، ذلك أن انعدام هذه الإمكانية ـ نقصد إمكانية الترجمة الحرفية بلفظة معجمية مقابلة ـ يفرض علينا اللجوء إلى استراتيجيات وتقنيات أخرى لا نلجأ إليها إلا بعد البحث الطويل في اللغة المنقول إليها. أضف إلى ذلك مشكلة المفردات التي ترد في لغات تربطها ببعضها قرابة لغوية ثابتة لكنها ترد فيها بمعان متقاربة كثيرًا لكنها مختلفة، والتي يعبر عنها بـ "أشباه النظائر"

·        الشرح في المتن

التقنية الثالثة التي نلجأ إليها عند انعدام إمكانية استعمال تقنيتي التكافؤ الوظيفي أو التكافؤ اللفظي، هي تقنية الشرح في متن الترجمة (Dickins 2002:24). وغالبًا ما يكون الشرح في المتن (1) ضروريًا كي يتم التواصل المطلوب، ذلك أن بعض المصطلحات والمفردات ذات الشحنة الثقافية الطاغية أو الارتباط الثقافي القوي بثقافة ما أو نظام قانوني ما متشبع بثقافة مغايرة، لا تفهم بذاتها، ولا بد من شرح مناسب أو توصيف لها كي تفهم وبالتالي كي يتم التواصل المنشود. إن تقنية الشرح في المتن تقنية مهمة جدًا وتعتبر حلاً وسطيًا لأنها تختزل المسافة البعيدة بين الثقافات المختلفة.

وفي الحقيقة كلما بعدت المسافة بين لغتين طبيعيتين ما وثقافتين ما، كلما تُوُقع أن تبعد المسافة بين اللغتين القانونيتين أيضًا، مما يجعل الحاجة إلى هذه التقنية أكبر لانعدام إمكانية استعمال تقنيتي التكافؤ الوظيفي أو التكافؤ اللفظي عند ترجمة بعض المصطلحات الرئيسة.

·        الحذف

يقصد بالحذف (omission) عدم ترجمة عناصر نصية لغوية في النص الأصلي لا تحتوي على معلومات إضافية لمتلقي الترجمة ولا يؤدي حذفها إلى أية خسارة في المعلومات مهما كانت تلك الخسارة صغيرة. ويذكر ديكينز (Dickins 2002:25) أن هذه التقنية يُلجأ إليها كثيرًا عند الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، خصوصًا عند ترجمة عناصر ذات طابع ثقافي خاص ليس لها ما يقابلها في الثقافة الإنكليزية.

إن حذف عناصر نصية ولغوية من وثيقة قانونية أمر يثير الريبة والشك لدى متلقي الترجمة، خصوصًا لدى المحامين والسلطات القانونية أو الإدارية للغة المنقول إليها. لذلك يجب التأكيد هنا على أن الحذف لا يطال المعلومة القانونية بل عبارات ذات طابع ثقافي أو ديني ذات قيمة في العربية أو في الثقافة العربية الإسلامية لكنها لم تعد مناسبة في الأنظمة القانونية للغات المنقول إليها لأنها لا تحتوي على معلومات قانونية، فلا يؤدي عدم ترجمتها إلى إخلال بالنص المترجم

·        النقحرة

لجأ إلى تقنية النقحرة عندما لا تفي تقنيات الترجمة الأخرى بالغرض ولا تحقق الغاية المرجوة في التواصل، أي عندما لا يكون للمصطلح المنقحَر في اللغة الهدف مكافئ وظيفي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن ولا حذفه في أثناء الترجمة. ولا يلجأ المترجم إلى تقنية النقحرة إلا بعد استنفاده كل التقنيات والإمكانيات المتاحة أمامه، فضلاً عن الذخيرة اللغوية للغة الهدف، لأن النقحرة دليل عجز أكثر منها حل مناسب لإشكالية الترجمة. فهي مثل الكي لا تكون إلا آخر الدواء. أضف إلى ذلك أن النص المترجَم عندما يمتلئ بالكلمات المنقحرة يصبح غير مفهوم لأنه يصعب على المتلقي غير العارف باللغة الأصلية للنص المترجَم فهمه. ثم إن النقحرة، في حين الالتجاء إليها، ليست أمرًا بدهيًا، ذلك لأن الغرض منها تذوق المصطلح الأجنبي الذي ليس له مكافئ وظيفي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن ولا حذفه في أثناء الترجمة، وفهمه واستيعاب مفاهيمه لتحقيق الغرض التواصلي. والتذوق ممكن فقط عندما تكون اللغات المنقول منها وإليها لغات تربطها علاقة ببعضها قرابة على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي. فإذا ترك مترجم إنكليزي مصطلح Code civil الفرنسي هكذا في نص إنكليزي، فإن ذلك لن يؤثر كثيرًا على التواصل لأن القارئ الإنكليزي، خصوصًا القانوني منه، سوف يتذوق المصطلح الفرنسي ويضعه في سياقه اللغوي والقانوني والثقافي. بينما لو نقحر مترجم إنكليزي مصطلح "ثيب" إلى الكتابة اللاتينية دونما شرح له، فإن أحدًا من قراء النص، غير العارفين بالشريعة الإسلامية وأحكامها، سوف يتذوق معنى "ثيب"، فضلاً عن فهمه.

·        وضع مصطلح جديد

إذا ما استحضرنا من جديد أن الترجمة القانونية إنما هي ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين، فإن تقنية وضع مصطلح (neologism) جديد هي التقنية الأخيرة التي نلجأ إليها بعد استنفاذ جميع التقنيات المشروحة أعلاه. فعندما تخفق التقنيات المذكورة أعلاه في حل إشكالية ترجمة المصطلح المراد ترجمته، فيمكن للمترجم أن يستعمل أية لفظة مناسبة في اللغة لأداء معنى المصطلح المراد ترجمته شريطة ألا يكون للفظة المختارة أية وظيفة اصطلاحية أو دلالية في النظام القانوني الذي يترجم المترجم إلى لغته القانونية. فإذا ما كان للفظة المختارة أية وظيفية، ولو جزئية للغاية، بالنظام القانوني الذي يترجم المترجم إلى لغته القانونية، فإن استعمالها لا يؤدي إلا إلى إثارة اللخبطة والبلبلة التواصلية. في هذا السياق يمكن اعتبار أية ألفاظ في اللغة العامة لا تمت بصلة إلى النظام القانوني للغة القانونية المنقول إليها، كلمات مناسبة لإكسائها معاني المصطلحات المراد نقلها (De Groot 1998:23).

وتبقى مسألة المعايير التي توضع المصطلحات الجديدة وفقًا لها أهم مشكلة تواجهنا عند اعتماد هذه التقنية، لأن وضع المصطلح بطريقة غير منظمة غير منتج وغير عملي وله آثار وخيمة على عملية الترجمة. وتنظيم علمية وضع المصطلح في الترجمة القانونية وغيرها بحاجة إلى مؤسسات معيارية. أما في ظل عدم وجود المؤسسات المعيارية، فينبغي على المترجم عند أخذه تقنية وضع المصطلح الجديد بعين الاعتبار

·        أقلمة الترجمة

نضيف إلى هذه التقنيات التقليدية تقنية أقلمة الترجمة التي نواجهها كثيرًا عند الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ونقصد بـ "أقلمة الترجمة" ههنا:

توطين (1) الترجمة ليس وفقًا للنظام القانوني لدولة عربية ما فحسب، بل أيضًا وفقًا للمعايير اللغوية والاصطلاحية السائدة في تلك الدولة. وينطبق ذلك أيضا عند الترجمة إلى لغة لها انتشار واسع كالعربية والإنكليزية والفرنسية، ويكون فيها أكثر من نظام قانوني واحد واصطلاح لغوي واحد خصوصًا فيما يتعلق بالمصطلحات المحلية (regionalisms) التي تكتسب في دولة ما معاني لا تكتسبها تلك المصطلحات في دولة أخرى مما يؤدي إلى نشوء فروقات مصطلحية.